عودة الأولويات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين الاقتصادي: إستراتيجية مصر للنمو في عالم يضطرم بالتقلبات

حسين كمال 

 يرمز مصطلح إزالة العولمة إلى التخلي عن التكامل الاقتصادي العالمي وثمة دلائل تشير لحدوث هذا بالفعل منذ فترة من الوقت. فقد بلغت حصة التجارة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو مؤشر رئيسي لقياس العولمة، ذروتها في عام 2008 في بداية الأزمة المالية العالمية. وارتفع معدل الصادرات بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي حول العالم بصورة كبيرة في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لكن منذ وقوع الأزمة المالية في عامي 2008 و 2009، ظلت هذه المؤشرات ثابتة أو في اتجاه تنازلي. وارتبط ذلك بعوامل أخرى مثل الشعبوية والسياسات الاقتصادية الحمائية، لا سيّما الحرب الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة.

 ثم ظهرت الجائحة التي تسببت في حدوث اضطرابات كبيرة في سلسلة الإمدادات. وأجبرت الجائحة الشركات على الاهتمام بزيادة بمستلزمات الإنتاج والسلع بدلاً من التركيز على التصنيع في الآجال المحددة. كما اضطرت تلك الشركات التي تعرضت للنقص الناجم عن الجائحة وعراقيل الشحن على إعادة التفكير في العمليات الإنتاجية برمتها. وبحث خيارات تتضمن إعادتها إلى داخل الوطن، والاحتفاظ بإنتاج المستلزمات الأساسية والتقنيات بالقرب من مواقع الإنتاج الخاصة بها وداخل حدود دولها او محيطها الاقليمي سعيًا لتحقيق مرونة أكثر على مستوى الإمداد.

ثم نشبت الحرب في أوكرانيا، والتي نبّهت من جديد إلى المخاطر المرتبطة بالطبيعة المترابطة للتجارة والاستثمار العالميين. كما جددت النقاش حول المفاضلة بين الكفاءة الإنتاجية والمرونة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد على سلاسل القيمة العالمية.

 ينبغي الاشارة الي ان هذه ليست أول مرة أدت فيها أزمة إلى حدوث تغييرات هامة في الترتيبات التجارية. فقد تعرضت حقبة سابقة من العولمة لتحديات الحرب العالمية الأولى. ولم تعد حصة التجارة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى مستواها الذي كانت عليه في عام ١٩١٤حتى حلول منتصف سبعينيات القرن العشرين. ولا يجب أن يُنظر إلى حقبة ما قبل الجائحة والتي سبقت الحرب كعصر قد فقد زخمه. فقد كان المنطق الاقتصادي السائد القائم على الكفاءة هو القوة الدافعة لحقبة العولمة الأخيرة، ولا يزال هذا المنطق الاقتصادي له وجاهته حتي الآن. ومع ذلك، فإننا نرى هذا المنطق يواجه تحديات في جوانب مهمة ويجب أن تكون مصر قادرة على التكيف مع تلك الحقائق الجديدة.

 إذن، ما هي التداعيات على مصر وهل يمكنها الإبحار بسلام في عالم يسوده عدم اليقين؟

 يمكن أن تتُرجَم الديناميكيات المتغيرة للاقتصاد العالمي وطول مدة تردي معدلات النمو الاقتصادي للبلدان المتقدمة إلى استمرار تباطؤ في وارداتها علي المدس المتوسط. وقد يؤدي التوتر الجيوسياسي المتزايد وآفاق التعهيد إلى الدول الحليفة، وتوجه البلدان إلى التجارة مع حلفائها الجيوسياسيين، إلى تأجيج هذا الاتجاه.

الجهود جارية بالفعل في الصناعات بما في ذلك أشباه الموصلات والمعادن النادرة ، وهي مدخلات محورية للسيارات الكهربائية والبطاريات و الصواريخ . كما تفكر العديد من الشركات نحو زيادة الإنتاج في البلدان التي ترى أنها تنطوي على مخاطر سياسية ولوجستية منخفضة نسبيًا.

علي سبيل المثال تم التباحث مؤخرا بين حكومة الولايات المتحدة وأستراليا بخصوص توسيع قدرات معادن الأرض النادرة. ما يفعلونه هو حث شركات التعدين في أستراليا على الاجتماع مع المصنعين الأمريكيين ومناقشة خطط بناء منشآت التعدين والمعالجة داخل استراليا و امريكا بمساهمة تمويلية من كلا الحكومتين. كما ان هناك الكثير من المناقشات الجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا حول التعاون على تعزيز سلاسل التوريد لمنتجات مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا اللاسلكية.

كما ترغب مجموعة التكنولوجيا اليابانية باناسونيك، على سبيل المثال ، إنتاج بطاريات سيارات مع شركة تصنيع السيارات الكهربائية تسلا داخل الولايات المتحدة. تستثمر شركات البطاريات والشرائح في كوريا الجنوبية الآن عشرات المليارات من الدولارات في الولايات المتحدة حيث تقوم سامسونج وحدها ببناء مصنع شرائح في الولايات المتحدة مقابل ١٧ مليار دولار.

 و يمكن ايضا رصد هذا التحول في الإنتاج من الصين بفعل الحرب التجارية الأمريكية مع الصين في الاعوام القليلة الماضية إلى دول مثل المكسيك ، وبلدان في أمريكا الوسطى ، والتي اشتملت على شركات الملابس ، مصنعي السيارات و صناعات اخري.

ومن ثم، لن تُكون زيادة المرونة والتنوع الاقتصادي و فتح اسواق جديدة رفاهية او مجرد سياسات تُتخذ جزافًا.

يمكن أن يفرض هذا الوضع تحديات عصيبة لمصر عليها مجابهتها، وفُرصًا ذهبية عليها اغتنامها. حيث سيُختبر نموذج النمو القائم على التصدير والذي تبنته الكثير من البلدان النامية في الماضي بصورة أوسع في المستقبل بسبب ضعف الطلب العالمي. ويمكن أن يؤدي السعي لتحقيق المرونة والصلابة بدلاً من الكفاءة وكذلك تردي قواعد التجارة العالمية عبر إضعاف منظمة التجارة العالمية إلى تأجيج هذا الاتجاه. وهذا من شأنه أن يدفع إلى إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها إستراتيجيات التنمية متوسطة الأجل لمصر، والتي تستهدف على وجه التحديد التوسع في قطاع التصدير.

 هذه ليست دعوة إلى الانعزالية، بل دعوة للتخفيف من حدة تأثير الصدمات الخارجية وفرصة لتعزيز القدرة الإنتاجية المحلية بالاستفادة من قوة السوق المصرية والإقليمية الكبيرة. إن إستراتيجية نمو أكثر توازناً وتمنح دوراً أكبر للطلب المحلي ليست ضرورية فقط لإكمال الطلب الخارجي ولكنها مهمة أيضًا لإيجاد الحلقة الوسطى المفقودة. غالبًا ما يعانب كبار المصدرين والدوائر الصناعية في مصر في ايجاد مستلزمات الانتاج محليًا بسبب القيمة المضافة المنخفضة للعديد من الشركات المتوسطة وصغيرة الحجم. ويمكن أن تساهم تحفيز إستراتيجية نمو مدفوعة محليًا في إقامة تلك الروابط الأكبر بين الصناعات الكبيرة ونظيراتها الأصغر. وفي ظل هذا النموذج، سيكون الحفاظ على جزء من نمو الصادرات ضروريًا على الأرجح من أجل تمويل واردات السلع الرأسمالية اللازمة للتوسع المستمر في القطاع الإنتاجي.

تتميز مصر بمقومات أساسية كبيرة تتمثل في النمو السكاني السريع، وزيادة الكتلة الشبابية الجاهزة للعمل، والطبقة المتوسطة الناشئة، وسوقها غير المشبع. وتلك هي السمات المميزة للاقتصاد المواتي للاستهلاك المحلي وازدهار الاستثمار. ولكن لتحقيق ذلك، يجب أن تعمل السياسة على زيادة القوة الشرائية المحلية وتحقيق توازن مناسب بين الزيادات في استهلاك الأسر المعيشية، والاستثمار الخاص، والإنفاق العام و تحقيق التشابك و التكامل بينهما.

 بالنسبة إلى الطلب، ثمة عدد من الحلول التي يمكن تطبيقها. كبداية، اعتماد سياسة للدخل و الاجور، والتي تضمن أن ينمو متوسط ​​الأجور الحقيقية بمعدل مماثل على الأقل لمتوسط ​​الإنتاجية حتى لا يستحث ذلك ضغوطًا تضخمية. ويجب أن تعزز سياسة الاستهلاك عبر الإجراءات المالية. ويمكن أن تكون تلك الإجراءات المالية مثل تشجيع استهلاك السلع الاستهلاكية المعمرة، على سبيل المثال من خلال تحويلات مالية مستهدفة مثل الخصوم الضريبية على سلع استهلاكية معينة، بمثابة أداة فعالة لتحفيز السلع المنتجة محليًا. ففي البلدان التي تمتلك صناعة سيارات محلية، غالبًا ما كانت سيارات الركاب هدفًا على هذا النحو. على سبيل المثال، تبنت تايلاند في ٢٠١١ نظامًا يسمح لمشتري السيارات لأول مرة بالتقدم بطلب لاسترداد الضريبة على السيارات المصنعة في تايلاند. من المهم الإشارة إلي أن سوق العمل في مصر يتسم باللارسمية و تصل بعض التقديرات أن ما يقرب من ٦٠% من قوة العمل المصري تعمل بدون أجر ثابت. لذا  من اجل زيادة فاعلية سياسة رفع الدخول الحقيقية، يمكن أن تلعب مبادرات مثل المشروعات العامة دورًا مهمًا ضمن إستراتيجية لرفع الطلب المحلي من خلال التوظيف لقطاع عريض من العمالة الغير رسمية. قد تلعب تلك المبادرات دورا فعالة أيضاً في خلق أرضية مشتركة بين الأجور الرسمية و الغير رسمية، حيث في كثير من الدول النامية و مصر منها سوق العمالة الموازي يضع عبئا ضاغطا على مستوي الأجور.  

إن خلق فرص الدخل ونمو الإنتاجية الذي يتيح زيادات مستدامة في الأجور الحقيقية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتكوين رأس المال الثابت. لكن تتطلب البيئة المواتية للاستثمار المحلي أيضًا سياسات مالية وظروف نقدية داعمة. فالسياسة النقدية التي تسعى إلى تعزيز قدرات الطلب والإمداد المحلية تحافظ على انخفاض مستوى أسعار الفائدة. وغالبًا ما تؤدي محاولات استخدام السياسة النقدية لمحاربة التضخم فقط إلى ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، مما يؤثر سلبًا على مناخ الاستثمار المحلي الخاص لسببين. الأول أن هذه المحاولات تعني تكبد المستثمرين المحتملين لتكاليف تمويل مرتفعة، وثانيًا، أنها غالبًا ما تجتذب تدفقات الأموال الساخنة. يجب أن يكون التحسن المتوقع في الإنتاجية مع مواءمة الأجور قادراً على تقليل الضغوط التضخمية بشكل كبير. إلى جانب ذلك، يُستورد جزء كبير من الضغوط التضخمية العالمية الحالية ولا يتولد محليًا عبر التسارع المحموم للاقتصاد، مما يجعل زيادات أسعار الفائدة أقل فاعلية في السيطرة على التضخم.

 كما ينبغي إعادة النظر في الإنفاق والاقتراض العام في هذا السياق. وينبغي توجيه الإنفاق العام نحو الاستثمار في القدرات الإنتاجية ذات الآثار المضاعفة بدلاً من تغطية النفقات الجارية. ويجب تطبيق المبدأ نفسه على إدارة الدين الخارجي. ويجب على الحكومات عند اللجوء للاقتراض الخارجي قصره على تلبية احتياجات الاستثمارات العامة مع دعم توفير الدعم الحكومي للاستثمارات الخاصة لتمويل استيراد السلع الرأسمالية، ومستلزمات الإنتاج، والمعرفة الفنية.

بالاضافة الي ذلك, يمكن أن تعمل التغييرات في الهيكل الضريبي وبنية الإنفاق العام شكل توزيع القوة الشرائية تجاه مجموعات الدخل التي تنفق حصصًا أكبر من دخولها على الاستهلاك. وستوفر زيادة الطلب الكلي من استهلاك الأسر المعيشية والقطاع العام حافزًا لأصحاب المشاريع للاستثمار في زيادة القدرة الإنتاجية الحقيقية. كما ان الحصول على الائتمان أيضًا في غاية الأهمية في هذا السياق. ومن بين الأمثلة على هذه السياسات تقديم المؤسسات المالية العامة للائتمان المباشر أو عن طريق التدخل في الأسواق المالية عبر إجراءات مثل إعانات دعم الفائدة، وإعادة تمويل القروض التجارية.

 على مستوى العرض، ستكون السياسات التي تعزز التحول الهيكلي والديناميكية التكنولوجية مهمة للتغلب على تحديات الإمداد والطلب الناجمة عما يُحتمل أن يظل بيئة خارجية صعبة. ورغم أن الكثير من شركات البلدان النامية غالبًا ما تُعتبر أقل تنافسية من الناحية التكنولوجية من نظيرتها في الدول الصناعية الكبري وتواجه صعوبة في تزويد المنتجات بالسمات التي يرغب بها المستهلكون. ربما ينطبق ذلك فيما يتعلق بالسلع فائقة الجودة المُنتجة بغرض تصديرها إلى البلدان المتقدمة. إلا أن التكنولوجيا الرائدة تلعب دورًا أقل أهمية في تلبية أذواق المستهلكين من الطبقة المتوسطة الناشئة.

ويمكن أن تكون شركات البلدان النامية في وضع أفضلية لتلبية طلبات هؤلاء المستهلكين الجدد، ليس فقط من خلال تكييف السلع والخدمات الحالية بحيث تلائم الاحتياجات المحددة لهؤلاء المستهلكين، ولكن أيضًا عبر تطوير سلع وخدمات جديدة تتناسب مع احتياجاتهم أو تفضيلاتهم. ويمكن أن تتمتع شركات البلدان النامية أيضًا بميزة أخرى على شركات البلدان المتقدمة, حيث يُرجح امتلاكها لمعرفة محلية قيّمة فيما يخص وضع شبكات توزيع وإستراتيجيات تسويق جديدة مناسبة من أجل غزو أسواق محلية جديدة. وبالتالي بمقدورها منع ارتفاع الطلب المحلي من التسبب في زيادة الواردات من البلدان المتقدمة.

ولا يعني الإطار المفاهيمي كما ذكرنا سابقًا العودة إلى عالم الاكتفاء الذاتي والانعزالية. إن فوائد الانفتاح موثقة جيدًا عبر المعرفة المتمثلة في السلع الرأسمالية ونقل التكنولوجيا وتبادل الأفكار، ويجب على مصر الاستفادة من هذه الفرص في المستقبل. ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحقق هذا عن طريق المنافسة الضريبية والأجور في سباق نحو الهاوية مع البلدان الأخرى ولا على حساب تطوير القدرات الصناعية المحلية.

بدلاً من ذلك، تتمتع مصر بميزة نسبية في عدد من القطاعات المهمة التي يمكنها جذب المستثمرين الأجانب. أحد هذه القطاعات هو إمكانياتها الهائلة لإمداد أوروبا بالطاقة النظيفة، وهو ما أصبح مسألة أمن قومي للقارة الأوروبية بعد الأزمة الأوكرانية. علاوةً على ذلك، يلعب الغاز دورًا رئيسيًا ومتزايدًا في عملية التحول للطاقة النظيفة، وتتمتع مصر بوضع جيد يؤهلها للاستفادة من ذلك نظرًا لاحتياطياتها الكبيرة. فالحاجة إلى تأمين إمدادات الغاز على المدى الطويل لا يختلف عليها اثنان، وستحتاج أوروبا إليه دون شك في السنوات العشر إلى العشرين القادمة. قطاع الطاقة النظيفة لا يقتصر فقط على إنتاجها، بل يتسع لمجالات عدة مثل صناعة النقل النظيف و البنية التحتية المتعلقة بها في ظل التوجه العالمي للاقتصاد الاخضر و الحاجة إلى معالجة متطلبات كفاءة الوقود والانبعاثات ، فضلاً عن متطلبات السوق لتكاليف التشغيل المنخفضة. ربما يتطلب ذلك القطاع بيئة تشريعية مناسبة  و حوافز لجلب استثمارات خارجية بهدف خدمة السوق المحلية و الاقليمية والمشاركة الفعالة في الصناعات المغذية لذلك القطاع لاكتساب المعرفة اللازمة لهذا النوع من صناعات المستقبل. 

 كما أن القطاعات الدفاعية غير التجارية مثل البنية الاساسية لقطاعي الصحة والتعليم في حاجة ماسة لاستثمارات القطاع الخاص, و هو نموذج شراكة معمول به في كثير من الدول الصناعية الكبري، وهي مجدية تجاريًا نظرًا لكبر حجم السوق المصري ويمكن أن تكون مساحة مثيرة للاهتمام سواءً للمستثمرين المحليين والأجانب. كما تتمتع مصر بسوق شركات ناشئة متنامية وواعدة، والتي تكافح كثيرًا لتحقيق قابلية التوسع. ومن ثم، يجب أن يساعد فتح الخدمات المالية أمام الاستثمار الخارجي في زيادة حجم رأس المال، وهو أمر ذو أهمية قصوى لتلك الشركات الناشئة كي تصبح شركات وطنية وإقليمية. ويمكن أن يساهم دعم سوق الشركات التكنولوجة الناشئة في تسريع مساعي مصر لتحقيق التحول الرقمي.

بالنسبة للسياسة التصديرية هناك شقين، أولا الشق السياسي المتعلق بسياسة واضحة لدراسة إمكانية جذب بعض الصناعات الهادفة للتصدير التي سوف تترك الصين إلي مصر إستنادا إلي جاذبية موقعها الجغرافي، لكن ذلك سوف يتطلب ضمانات أمنية و لوجستية و سياسية للمستثمرين و الشركات الأجنبية بجانب إستقرار نسبي على مستوي الاقتصاد الكلي. و البعد الأخر متعلق بتنوع الاسواق التصديرية و الاستيرادية للدولة المصرية، و هنا أشير لأهمية التركيز على خلق سلاسل قيمة في المحيط الإقليمي في الشرق الاوسط و العمق الإفريقي.

و الشق الاخر متعلق بسياسات استثمارية في صناعات ذات طلب عالمي مرتفع أو يتوقع له أن يرتفع في السنين القادمة. وفقا لدراسة لشهير زكي ٢٠١٨ تعاني مصر من أنها تتخصص في تصدير منتجات طرفية ذات قيمة مضافة متدنية مثل البترول الخام والمعادن ومجموعة من المنتجات الزراعية الخام و المنسوجات ومواد البناء مما يصعب من مهمتها في إنتاج سلع أكثر تطورا و قيمة. قطاع محدود من المنتجات التي تصدرها مصر، يتكون أساسًا من مواد كيميائية و السلع الكهربائية التي قد تمهد الطريق لإنتاج سلع أكثر تعقيداً. ويضيف ان هناك انفصال نسبي بين صادرات مصر وبقية واردات العالم. لا تزال مصر تنتج بعض المنتجات التي لا تعتبر من بين أكثر ١٠ منتجات يستوردها العالم. تظهر أربعة منتجات فقط صدرتها مصر (تمثل ٣٨٪ من إجمالي الصادرات) من بين أكثر ١٠ منتجات مستوردة من قبل باقي الدول في حين أن اثنين من هذه المنتجات من الموارد الطبيعية (الوقود المعدني والمعادن الطبيعية والثمينة).

في النهاية لا تطلع تلك الورقة المفاهيمية كما تطرقت سابقا إلي دعوة العودة إلي نموذج إحلال الواردات كما في الستينيات أو دعوة إلي الانغلاق الإقتصادي. لكن هي دعوة لإدراك المتغيرات الجيوسياسية و الاقتصادية التي يمر بها العالم و التي تحتم على الدولة المصرية التحرك بسرعة في إطار هذا النموذج الجديد و الإستفادة من الفرص المتاحة بها. هي دعوة لإيجاد ميزة نسبية جديدة للاقتصاد المصري تتوافق مع المتغيرات التكنولوجية و الترتيبات السياسية الجديدة و زيادة القدرة على المرونة و تلقي الصدمات الخارجية و الداخلية. و لابد من الاشارة أن تلك الاستراتيجية التي تركز في الاساس على السوق المحلية و الإقليمية قد تكون مفيدة على المدي القصير و المتوسط لبناء القدرات الصناعية المحلية و قد تتغير الترتيبات الدولية على المدي الأطول مما قد يتطلب إعادة النظر في ذلك النموذج مرة أخري.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: