تسببت ثورة ٢٥ يناير في جدل كبير حول سبل النهوض بالاقتصاد المصري لتحقيق الاهداف الاقتصادية و الاجتماعية التي طالبت بها الجماهير المصرية التي في أغلبها تعاني من الفقر و سوء توزيع الثروة. لكن ما هو العائق الحقيقي أمام الإقتصاد المصري كي ينطلق إلى أفاق جديدة؟ و هل حزمة اجراءت إقتصادية على المدي القصير يمكن بدورها أن تلبي المطالب الاقتصادية للطبقات الفقيرة و المتوسطة في هذا البلد؟ هل نقترض من البنك الدول أو صندوق النقد كجزء من حزمة اجراءت إقتصادية تساعد على نهوض الاقتصاد المصري؟ هل نثبت سعر الجنيه حتى يسهل إستيراد المنتجات الحيوية أم نضعف من سعره لزيادة الطلب على المنتج المصري و بالتالي زيادة الصادرات؟ حد أدني أو و حد أقصى للأجور؟ هل نخفض العبء الضريبي على أصحاب الاعمال كي نشجع الاستثمار كما يحلو لساسة مصر؟ هل نبقي الدعم أم نلغيه؟ كل هذه اسئلة مشروعة و هامة عن السياسات الاقتصادية. لكن هذه سياسات تتغير وفقاً للايديولجية السياسية الحاكمة و لكنها ليست بالضرورة الفيصل في مدي تقدم و تأخر إقتصاد ما. لقد تقلبت مصر ما بين سياسات رأسمالية الدولة و النيوليبرالية و كان الفشل هو الحاكم لكلتا التجربتين المختلفتين.

لابد من النظر إلى واحدة من المشكلات الأكثر عمقاً في الاقتصاد المصري ألا و هي الفشل المؤسسي. من الجدير أن يتم الإشارة إلى أن فرع الاقتصاد المؤسسي قد إكتسب رونقاً في السنوات الاخيرة في الجامعات و معاهد البحث الغربية كي يتم تفسير سبب الفشل الإقتصادي التاريخي للعالم النامي. قبل الخوض في التفاصيل لابد و أن نفهم معني المؤسسة و تأثيرها في الاقتصاد. يقول الإقتصادي الامريكي دوجلاس نورث أن المؤسسة تتكون من قواعد رسمية مثل الدساتير و القوانين و حقوق الملكية و قواعد غير رسمية مثل العادات و التقاليد و الثقافة. المؤسسة في وجهة النظر الاقتصادية تحدد و تنظم العلاقات الاقتصادية بين البشر هي التي تحدد تكلفة الانتاج و تكلفة الضلوع في النشاط الإقتصادي من أي نوع و تحدد توزيع الثروة في المجتمعات و الحافز للبشر للضلوع في نشاط إقتصادي منتج و ليس مجرد مستخرج للمورد الطبيعية دون قيمة مضافة. أسيمجلو الإقتصادي التركي يقول إن المؤسسة هي التي تتحكم في الاداء الاقتصادي على المدي الطويل للدول و هنا أقصد عشرات بل مئات السنين في بعضالاحيان.

رجوعاً للاقتصاد المصري و هو أيضاً جزء من الشرق الاوسط فلابد الا نفصل تطوره عن تطور هذه المنطقة لما لهم من سمات مشتركة مثل وقوعهم تحت تأثير الاحتلال العثماني لقرن طويلة تحت سياسة إقتصادية شبه موحدة و أيضاً التقارب النسبي في ثقافة هذه الشعوب. تقول النظرية التاريخية الاولى و متبنيها هو الإقتصادي التركي تيمور كوران أن الإسلام هو المسؤول عن الإنحدار التاريخي للمجتمعات العربية و بما فيها مصر. يقول كوران أن قوانين العقود و الورث و المؤسسات الوقفية ساهمت بدورها في تبدد ثروات هذه الشعوب و تفتتح من جيل إلى أخر مما منع ظهور شركات إقتصادية عملاقة كى التي ظهرت في الغرب و ساهمت في نموه الإقتصادي، المؤسسات الوقفية، و التي كانت مسؤولة لقرون عدة عن التعليم و الصحة و الخدمات الاجتماعية للمجتمعات العربية، لم تبتدع أو تتبني أساليب الإدارة الحديثة كما في الشركات الغربية التي لم تعتمد على الوقف لتقديم الخدمات الاجتماعية أو لتنظيم النشاط الإقتصادي و لكن اعتمدت على المؤسسات بمعناها الحديث. حتي في القرن ال ١٩ عندما تبنت شعوب الشرق الاوسط المؤسسات الحكومية كالتي ظهرت في الغرب لم تكن بنفس نجاحها لأن التجربة استنسخت في ظروف غير مهيأة لنجاحها لأن هذه المؤسسات الغربية هي نتاج تفاعلات إجتماعية و أعراف و ثقافة غربية أنتجت هذا النوع من المؤسسات فعند إستنساخها في هذا الجزء من العالم لم تحقيق نفس الطفرة الاقتصادية. لكن هذه الحجة بها خلل كبير لأن ليس بمقدورها شرح التفوق الإقتصادي العربي في عصور مثل العصر الاندلسي على سبيل المثال.

النظرية التاريخية الأخري تقول إن السبب الرئيسي للتخلف الاقتصادي التاريخي للشعوب العربية هي علاقة السياسة بالمؤسسات الاقتصادية و هي النظرية التي أميل لها في شرح حاضرنا الإقتصادي في مصر. تقول هذه النظرية إن التفوق الإقتصادي الغربي علي نظيره العربي سببه الفصل بين السلطات في الغرب الذي أتي كى نتيجة معارك ضارية بين الحاكم و علماء الدين و الشعوب و بالاخص طبقات الفلاحين و لا مجال لشرح تفاصيلها الأن. هذا الفصل انتج توازن في العلاقات الاقتصادية بين الفرقاء المتصارعين و أصبح لطبقات الفلاحين القدرة على الدفاع عن حقوقهم الاقتصادية في مواجهة الحكام و علماء الدين. لماذا لم يحدث هذا في الشرق؟ الحكم العثماني و من قبله الشعوب العربية لم تحكم إلا عن طريق رأس السلطة. هو الذي يحدد العلاقات الاقتصادية و توزيع الثروة و في جعبته بوق علماء الدين مع القوى العسكرية مما سمح بتفكف أي مشروع للشعوب في تنظيم نفسها عن طريق نقابات أو غيره كما حدث في التاريخ الغربي. الهدف الاسمي لحكم هذه المنطقة من العالم هو الحفاظ على السلطة و لذلك كل السياسات الاقتصادية بنيت لخدمة هذا الغرض مثل إخضاع القضاء لخدمتهم و خدمة مصالحهم الاقتصادية و تسخير علماء الدين لتكفير الخارجين عن طوع الحاكم و المطالبين بحقهم الإقتصادي و تعيين جيوش مرتزقة بحيث تبعد خطر إنقلاب داخل الجيش إذا كان تكوينه الرئيسي من فقراء الشعب. المساحة الكبيرة أيضاً للإمبراطورية العثمانية كان عائقاً للشعوب العربية لتنظيم نفسها في ثورات إقتصادية ضد السلطة. عدم قدرة التجار و الفلاحين العرب في تنظيم أنفسهم خلق وضع مؤسسي لا يخدم التطور الاقتصادي و لايخدم مصالحهم لكنه فقط يخدم الطبقات الحاكمة و يركز الثروة و الاراضي في أيديهم و يجمع الضرائب من الفلاحين و لا يمنح القدرة للاغلبية للخوض في نشاط إقتصادي خاص ضخم بعيد عن أعين الحكام.

ما فائدة هذه النبذة التاريخية الصغيرة، و التي حاولت قدر استطاعتي إختصار تفاصيلها، و ما علاقتها بالواقع الإقتصادي المصري بعد ثورة ٢٥؟ تحتل الدول العربية بالأخص مصر ترتيبا غاية في التدني في المؤشرات المؤسسية مثل نزاهة القضاء و استقلاله عن السلطة التنفيذية، الحريات، الشفافية، الفساد، البيروقراطية المعقدة لبدء نشاط إقتصادي منتج، و حماية حقوق الملكية، التنافسية و الحريات الاقتصادية و سهولة بدء نشاط إقتصادي. يمكن محاولة فهم هذا التدني في إطار السياسة و هذا ما أميل له. العوائق العديدة التي توضع في مصر و في أغلب الدول العربية لصغار الشباب و أصحاب الافكار لمشاريع صغيرة و متوسطة و هي عماد الدول النامية له أسباب و أبعاد سياسية. إن وجود طبقة عريضة متعلمة مثل هذه تدر الاموال بعيد عن أعين الحكومة لابد و أن له تهديد مباشر للسلطة و لرجال الاعمال الأغنياء و مصالحهم الاقتصادية و السياسية. في مصر بعد ٢٥ نحن نشاهد تركز الثروة الاقتصادية في يد حفنة من رجال أعمال عصر مبارك و الجيش مع تحالف أجهزة و مؤسسات الدولة لخدمة هذا الوضع من قضاء و مؤسسة دينية متمثلة في الازهر و الكنيسة (نلاحظ تشابهاً مخيفاً مع التاريخ السالف ذكره). المراد قوله هنا أن السياسة الاقتصادية كى تبرز نتائج فعالة في القضاء على الفقر و تلبية المطالب الاقتصادية للجماهير لابد و أن تكون مستندة على قاعدة مؤسسية متحيزة للجماهير و ليس فقط الطبقة الحاكمة. ما جدوي أي سياسة إقتصادية و الوضع المؤسسي ينحاز لمصالح أقلية من رجال أعمال و ضباط و غيرهم من القريبين من السلطة . تشجيع إستثماراً أجنبياً أو محلياً منتجا طويل الامد يسهم في رفع القدرة التنافسية للاقتصاد المصري دون قضاء مستقل و بفساد مقنن في كل أجهزة الدولة المصرية و انحيازات مسبقه لشريحة معينة من أصحاب الاعمال يبدو لي و كأنها مهمة يصعب تحقيقها.

في الواقع لا يوجد حل فوري و سحري للمشكلات الهيكلية كالمؤسسات الاقتصادية لأن تغيرها يأخذ عشرات السنين لإرتباطها بالتفاعلات الاجتماعية و السياسية و الدين و الثقافة و عناصر أخري. ٢٥ يناير جائت في رأيي كفرصة ذهبية لتغيير الاوضاع المؤسسية الشاذة في مصر. القطاعات الثورية في هذه المؤسسات لابد و أن تنظم أنفسها لتشكيل عامل ضغط على السلطة الحاكمة لتغير الإنحياز المؤسسي للطبقات الغنية و الدفاع الحقوق الاقتصادية لفقراء هذا الوطن. الانفتاح النسبي للاعلام و للمعلومات هو أيضاً وسيلة مهمة لتوعية قطاعات جماهيرية مهمة بحقوقها الاقتصادية و مساعدتها في تنظيم أنفسها في النقابات. الانفتاح الإقتصادي مع تحفظي على نوع الانفتاح و لكن هو بدوره أيضاً يمكنه لعب دور فعال في زيادة الطلب علي نشاط إقتصادي منتج يمكن بدوره خلق طبقة متعلمة من صغار و شباب الصناعيين و رجال الاعمال يشكلون عمل ضغط للتغير الجذري في المؤسسات الاقتصادية.

Written by Egyptianomics

This page aims to raise awareness about key economic issues in Egypt. It endeavours to present new economic thinking and advocates human-oriented economics for Egypt

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s