كتب: حسين كمال

هناك خطأ شائع في أوساط الاعلام المصري ألا و هو إستخدام كلمة نمو إقتصادي كمرادف للتنمية الاقتصادية. لكن هذا الخطأ المقصود أو غير مقصود أيضاً هو إنعكاس للتوجه العام لصناع السياسة الإقتصادية المصرية لعقود ألا و هو زيادة الناتج المحلي الإجمالي أي النمو الاقتصادي كالهدف الأهم على الإطلاق في السياسة الإقتصادية في مصر. نلاحظ في الخطاب الاعلامي الحث على الإستقرار كي تدور عجلة الانتاج و يعود النمو لمعدلاته السابقة على الثورة.

الناتج المحلي الاجمالي هو حصيلة السلع و الخدمات التي ينتجها الاقتصاد المحلي في فترة زمنية ما، أما النمو الاقتصادي يشير إلى ظاهرة الإنتاجية في السوق والارتفاع في معدل الناتج المحلي الإجمالي. التنمية الإقتصادية في واقع الأمر هي مفهوم أوسع و أكثر عمقاً من نمو الناتج المحلي الإجمالي. التنمية الاقتصادية تتسع لتشمل مجالات التنمية البشرية كالصحة و التعليم و البحث العلمي، كما تشمل الاستدامة أي الحفاظ على الموارد من النضوب و الحفاظ على البيئة، كما تتضمن جوانب أخري مثل مساهمة التطور التكنولوجي في النمو، الأمن، التنافسية الإقليمية و العالمية و أخيراً مؤشرات نزاهة المؤسسات و قدرتها على دفع منظومة التنمية. من المهم توضيح أن النمو الإقتصادي يمكن أن يحدث عن طريق تضحيات جمة في مجال التنمية الاقتصادية. النمو الإقتصادي يمكن أن يحدث عن طريق أخذ موارد كبيرة مخصصة لقطاعات التنمية البشرية، يمكن عن يحدث عن طريق إستهلاك مفرط في الموارد الطبيعية مما يجعل النمو في حد ذاته غير مستدام في الاجل الطويل و يمكن أيضاً للنمو أن يتسبب في إنهيار بيئي يؤثر مما يؤثر سلباً على الاستدامة و الصحة العامة للبشر، هناك نمو يحدث على حساب العمال لحساب المستثمر مستفيداً من إنخفاض الأجور.

لنأخذ مصر على سبيل المثال، يقول عمرو عادلي الباحث بمعهد كارنجي أن منذ بداية التسعينيات من العقد المنصرم بدأت مصر في رحلتها مع المؤسسات المالية الدولية رحلة “الإصلاح الإقتصادي” التي واكبت إتفاق نادي باريس و المعونات الخليجية نظير مشاركة مصر في حرب الخليج الثانية (1990-1991). في خلال العقدين السابقين على ثورة يناير شهد الاقتصاد المصري جهداً منظماً في إتجاه تحرير التجارة و حركة رأس المال و أسعار الفائدة و الصرف فيما يمكن اختزاله تحت عنوان التحرير الإقتصادي، كما شهد الاقتصاد جهداً حثيثاً نحو زيادة نصيب القطاع الخاص في إنتاج و توزيع السلع الخدمات إما عن طريق خصخصة الشركات المملوكة للدولة إما عن طريق إزالة القيود التنظيمية على الاستثمارات الخاصة. و بحلول القرن الواحد و عشرين كان ما يزيد عن 70% من الناتج المحلي المصري يصدر عن القطاع الخاص بأشكاله و احجامه المختلفة، و كان للقطاع الخاص نصيب الاسد في قطاعات حيوية مثل الصناعات التحويلية و السياحة و الزراعة و الانشاءات. كان الهدف الاهم في هذه السياسة هو تحقيق معدلات نمو مرتفعة مستندة على الرؤية النيوكلاسيكية في الاقتصاد.

الرؤية هي أن في بداية الإنطلاق الإقتصادي لابد من تركز الثروة في أيدي الأثرياء لأنهم دون غيرهم لهم القدرة على الاستثمارات الضخمة و مما يتبعه من نمو إقتصادي الذي سوف يتساقط في نهاية الأمر على المجتمع بأسره. هذه النظرية التي ابتدعها الإقتصادي الشهير كوزنتز تقول أيضاً أن في بداية هذه المرحلة سوف تتسع الفجوة بين الأغنياء و الفقراء لكن عند إنتشار النمو أو تساقطه سوف تختفي هذه الفجوة. لنعود إلى مصر لنجد أن النظام الإقتصادي الذي يهدف إلى النمو فقط لم يكن ناجحاً حتي بالمعايير النيوكلاسيكية التي يعمل على اساسها.

معدلات النمو المصرية ما بين عام 1990 و 2010 كانت تتراوح ما بين 4.5% و 5% مقارنة بما يجاوز 7% في اسيا و 10% في الصين و لم يرتفع النمو في مصر بشكل ملحوظ إلا في السنين القليلة التي سبقت الثورة. الدول التي سبق ذكرها هي دول أقل من مصر من حيث متوسط دخل الفرد. أما معدلات الإستثمار كانت أيضاً منخفضة مقارنة باقتصادات أخري في العالم النامي و الاسواق الناشئة، فإذا أخذنا التكوين الرأس مالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي معياراً للاستثمار لوجدنا أن متوسط هذه النسبة في الفترة ما بين 1989 و 2012 لم يتجاوز %19.6 في مصر مقارنة 28,72% لتايلاند و 41.74% للصين و 31,21% لفيتنام و 29,89% للهند.نفس الوضع يمكن أن يقال على قدرة الاقتصاد و الصناعات المصرية على التنافسية العالمية حيث أن متوسط نمو السنوي للصادرات لم يتجاوز 9.22% للفترة ما بين 1980 و 2012 علماً بأن معدل النمو كان بالسالب (2.94) في عقد التسعينات مما يوضح ضعف كبير في قدرة الاقتصاد المحلي على المنافسة الدولية و الإقليمية.

نلاحظ أيضاً أن الصناعات المصرية التي تحقق عوائد مرتفعة أو الذي تساهم في النمو هي في أغلبها صناعات ليس بها قيمة مضافة كصناعة الاسمنت و الحديد. هي صناعات ملوثة للبيئة و كثيفة الطاقة ( اهدار كبير في دولة لا تنتج الطاقة) و كثيفة الميكنة أي أنها بطبيعتها لا تستوعب عمالة كثيفة (لاحظ معدلات البطالة المرتفعة في مصر). هذه الصناعات تستفيد من دعم كبير من الطاقة، أجور متدنية للعمال، تسهيلات في الأراضي و دعم نقدي مباشر من الحكومة للمنافسة العالمية (صندوق دعم الصادرات). إذن، يمكننا القول أن النمو ذلك مشوه و لا يخدم بأي حال من الاحوال أهداف التنمية العامة، بل يركز الثروة في أيدي قلة لا تستطيع توسيع الكعكة (الهدف الاساسي من السياسة المنتهجة) و لا تستطيع آن تقوم بإعادة التوزيع و لأ تستطيع أن تقوم بإصلاح القطاعات التي تخدم مجال التنمية البشرية كما أن النمو الحادث لا يترجم في شكل إرتفاع للأجور بل إرتفاع في العائد على رأس المال.

لكن في خضم التركيز على الهدف الاوحد و هو النمو و عدم النجاح في تحقيق المرجو كما أشرت في الفقرة السابقة، كان هناك إنهيار متسارع في مجالات التنمية الاقتصادية و أيضاً العدالة الاجتماعية. تشير مؤشرات التنمية البشرية للأمم المتحدة في 2012 أن مصر تحتل المرتبة 112 من 184. هذه المؤشرات تقيس أوجه و جوانب للتنمية لا يمكن للنمو في الناتج المحلي الإجمالي أن يقيسها مثل مستوي التعليم، الأمية، مستوي المعيشة، جودة الحياه، البيئة، متوسط العمر المتوقع، رفاهية الاطفال. أما على الجوانب المؤسسية، فيشير تقرير التنافسية العالمية لعام 2013 أن مصر تحتل المرتبة ال-94 من 110 دولة في جودة المؤسسات.

مراتب متدنية للغاية في البنية التحتية، التعليم و الصحة و هي تعد متطلبات أساسية و بدائية للاقتصاد و التنافسية كما يقول التقرير. الجوانب المؤسسية تتضمن أوجه كثيرة كما يشير التقرير مثل الفساد و المحاباة، نزاهة القضاء، حقوق الملكية، اهدار في الإنفاق الحكومي، شفافية السياسات الحكومية، قوة معايير المراجعة وإعداد التقارير و عناصر أخري. أما الطامة الكبري كما يبين التقرير هي في مستوي التعليم في كافة اشكاله و إعداد و جاهزية الشباب لسوق العمل. تحتل مصر المرتبة 137 من 144 في جودة إدارة المدارس، 139 من 144 في جودة التعليم، 99 من 144 في توافر خدمات البحوث والتدريب، و 129 من 144 في تدريب المعلمين و القائمين على العملية التعليمية. نلاحظ أثار هذا التدني معدلات البطالة المرتفعة، و الذي تنم عن دفع قدرة النموذج المصري على خلق وظائف ذات قيمة عالية. يرجع هذا إلى عدة عوامل أهمها ضعف قدرة العمل المصري و ضعف انتاجيته الناتج عن ضعف التعليم و التدريب المهني و الرعاية الصحية و غيرها من مجالات التنمية البشرية. هذا ما يدفع الكثير إلى الالتحاق بسوق العمل غير الرسمي ذو القيمة المتدنية إقتصادياً.

إذن، التركيز على النمو كمؤشر أوحد لأداء و جودة الاقتصاد هو مفهوم قاصر و لا يعكس الحقيقة كاملة. الواقع المصري يوضح جلياً أن التركيز على النمو في المطلق لا يبني إقتصاداً قوياً و لا يخلق مواطناً متعلماً و مثقفاً يعيش في رفاهية. ما المطلوب إذن؟ صحيح أن الكعكة الاقتصادية في مصر ليست بالكبيرة، و أنا هنا لا أقول أن لا جدوي من اتساعها. بل ما أقوله هنا أن النمو لابد و أن يحدث في إطار التنمية و ليس العكس. نمو في أساسه إحتوائي، يدخل الاغلبية في منظومة النمو الرسمي (لاحظ حجم الاقتصاد الغير رسمي في مصر يصل إلى أكثر 50%) بقوانين واضحة و شفافة فيما يتعلق بالأجور و الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية (تأمين صحي….إلخ).

نمو يضع نصب عينه خلق الثروة عن طريق البحث العلمي و التكنولوجيا و القيمة المضافة و ليس عن طريق دعم الطاقة و و الإعفاءات الضريبية. نمو يعمل مع مؤسسات البحث العلمي مثل الجامعات للتطوير و التحديث و يستفيد من قدرات الآف الطلبة المصريين المعطلين الذين لم تتح إلا لقلة منهم فرصة تعليم جيد عن طريق الإستثمار في إعادة تدريبهم. الشراكة ما بين القطاع الخاص، القطاع البحثي و التعليمي تحت إشراف و حوافز من جانب الحكومة للطرفين. هي عملية سوف يربح فيها كل الاطراف، قطاع خاص يضخ أموال في القطاعات البحثية و الجامعات و يجني ثمارها في شكل طلبة مدربين و و جاهزين لسوق العمل. هنا لا استبعد دور الحكومة في التمويل، لكن بدلاً من خلق حوافز للقطاع الخاص لتحقيق أرباح عن طريق تسهيلات ضخمة، يمكن لهذا الحافز أن يتم في إطار التنمية البشرية.أما في قطاع التعليم الاساسي و هو الاهم، يمكن للدولة الإستفادة من تجارب للمجتمع المدني في التعليم الإبداعي في العشوائيات في مصر في كيفية هيكلة نظم التعليم المصرية المتحجرة. لا مفر للدولة أن تستثمر في جودة قطاع الصحة، كم من طاقة مهدورة في مصر بسبب المرض و سوء الاحوال الصحية. سياسة بيئية جديدة تضع نصب أعينها صحة المواطن و عدم نضوب الموارد الطبيعية، تشجيع للصناعات الصغيرة و الكبيرة لإستخدام الطاقة المتجددة، التوسع في عمليات التخضير و التشجير، التركيز على القيم البيئية في النظام التعليمي.

Written by Egyptianomics

This page aims to raise awareness about key economic issues in Egypt. It endeavours to present new economic thinking and advocates human-oriented economics for Egypt

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s