عندما ننظر في أحوال المجتمع المصري إليوم نجد أن الفرص في الترقي الاجتماعي أضحت أصعب كثيراً عن ذي قبل. عندما نفحص التاريخ المصري المعاصر، خاصة في بداية القرن المنصرم إلى سبعينياته، يمكننا حصر عدد لا بأس به من المصريين الناجحين القادمين من خلفيات إجتماعية متواضعة و نجحوا في كسر حلقة الفقر. طه حسين، الأديب الأعمي البارز، ولد و نشأ في ظروف غاية في القسوة و المعاناة في مدينة المنيا في صعيد مصر. برغم صعوبة المعيشة، أتاح له المجتمع المصري وقتها الفرصة كي يهرب من دائرة العوز إلى الأبد عن طريق التعليم. أكمل طه حسين دراسته في الازهر و من بعدها جامعة القاهرة. بعد حصوله على الماجستير من جامعة مونبلييه، نجح في إكمال رسالة الدكتوراه في جامعة السوربون الفرنسية العريقة. نتوقع أن أولاد و أحفاد و حتي أحفاد أحفاد طه حسين يعيشون ألان في مستوي إقتصادي كريم بسبب ما حققه و خروجه من هذا النفق المظلم.

Unknown

طه حسين مجرد مثال واحد من أمثلة أخري كثيرة من التاريخ المصري المعاصر نجح فيها المحرومين من إختراق مستويات إجتماعية و إقتصادية أعلي في المجتمع المصري. أنيس منصور، عباس العقاد، محمد حسنين هيكل، نجيب محفوظ، جمال عبد الناصر، فاروق الباز و غيرهم كثيرين لهم قصص شبيهة لقصة الاديب الصعيدي فاقد البصر (يمكنك سؤال جدودك إن كانوا على قيد الحياه). من الضروري توضيح أن مصر وقتها كانت دولة فقيرة و طبقاتها الاجتماعية متفاوتة الفوارق. لكن ظني لم توجد منهجية في إعتراض فرص الترقي الاجتماعي. الصورة الأن، للأسف، تختلف عن العصر السالف ذكره. يبدو إليوم و كأن هناك عرقلة ممنهجة ومنظمة للفئات الأفقر من الوصول إلى فرص الحراك الاجتماعي. في قطاع التعليم، على سبيل المثال، المدارس الدولية الجودة التي تعلم اللغات الأجنبية وتوفير المهارات اللازمة لسوق العمل الحديثة حصرية لأقلية من المصريين الأثرياء. يمكن لخريجي هذه المدارس أيضا تحمل الأعباء المالية لمتابعة تعليمهم العالي في مؤسسات تعليمية محترمة داخل مصر وخارجها. وبالتالي، فإن هذا يؤدي إلى هؤلاء الأطفال كسب دخل أعلى في المستقبل فضلاً عن إمتلاك عائلاتهم من الأصول المادية مما ييسر حياتهم أكثر. الصورة لا تختلف في قطاع الصحة. المستشفيات الجيدة في أغلبها مخصخص و مرتفع الثمن و أكبر من الامكانيات المادية المحدودة لأغلبية المصريين.ب الإضافة إلى ذلك، و بسبب نوعية التعليم الراقي، العائلات الأكثر ثراء تميل دائماً إلي تغذية أفضل لأطفالهاو توفير فرص الحصول على رعاية صحية جيدة لهم (تطعيمات….إلخ)، وهو ما ليس متوفراً للمصريين الأقل حظاً إقتصادياً و إجتماعياً. الطبقات الفقيرة في مصر، لا سيما في المناطق الحضرية، تعيش في مناطق شديدة التلوث ومتكدسة مع محدودية فرص الحصول على الخدمات العامة الأساسية كالمياه النظيفة، مما يزيد من تفاقم سوء أحوالهم الصحية.

دراسة هامة من قبل مدرسة لندن للاقتصاد (الإنصاف بين الأجيال: فهم الروابط بين الآباء والأطفال مراجعة منهجية) حول توريث الفقر متعدد الأبعاد تؤكد ادعاءتي. وتخلص الدراسة إلى أن هناك درجة كبيرة من الثبات في توريث الدخل والتعليم والصحة عبر الأجيال، و تبدو هذه الظاهرة أكبر في البلدان النامية. هناك أدلة قوية، وفقا لهذه الدراسة، تشير إلى أن الأطفال من الخلفيات المحرومة (الأسر منخفضة الدخل و التعليم) تواجه محدودية في فرص التعليم والصحة من شأنها تشكيل إعاقة إقتصادية و إجتماعية لهم على المدى الطويل. وعلاوة على ذلك، تقول الدراسة البريطانية أنه ينظر على نحو متزايد إلى تجارب الطفولة المبكرة كمؤثر أساسي في تشكيل حياتهم في المستقبل.هناك أيضاً علاقة سببية قوية ما بين مستوي تعليم الأهل و ما بين فرص دخول الأطفال المدارس و مستوي تحصيلهم العلمي. يبدو أن تعليم الأم على وجه الخصوص يشكل محددا قوياً لمستوي تعليم الطفل كما تؤكد الدراسة. العديد من الدراسات الأكاديمية الغربية تثبت أن المهارات و المدخلات التي يكتسبها الأطفال خلال طفولتهم المبكرة تحدد إلى حد كبير فرصهم الاقتصادية و قدرتهم على تحقيق امالهم في المستقبل. رأس المال البشري يلعب دورا كبيرا في رسم الفرص المستقبلية التي تواجه الأطفال. تطوير المهارات المعرفية وغير المعرفية تعد من العوامل التي تؤثر على الدخل في المستقبل ، وكذلك جودة التعليم الذي يتلقاه الطفل تلعب دورا محورياً في توريث الفقر المتعدد الأوجه بين الأجيال. الأطفال المعرضين للفقر في وقت مبكر في الحياة (حتى قبل ولادتهم) معرضون أكثر للاصابة بسوء التغذية عند الولادة، اعتلال الصحة العامة، ترك التعليم و التسرب إلى سوق العمل، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات الدخل في وقت لاحق و الفرص في الحياه الكريمة.

ويؤيد ذلك جيف مدريك، وهو محلل و مستشار بارز السياسات الاقتصادية ، الذي يقول أن “الأطفال الذين ينشأون فقراء يواجهون عقبات أكبر في التنمية الاجتماعية والصحة الجيدة، هذه العقبات في كثير من الأحيان تستمر معهم بقية حياتهم. هؤلاء الأطفال هم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل الربو أو اضطراب نقص الانتباه، وعدد قليل منهم يتخرج من المدرسة الثانوية، أجورهم أقل، وغالبا ما يعتمدون على المساعدات الخيرية و الضمانات الاجتماعية الحكومية إن وجدت”. يلفت جيف انتباهنا أيضا أن هناك أدلة واسعة النطاق اليوم تكشف لنا عن أن البيئة عالية الضغط للأطفال الصغار قد يكون لها انعكاسات سلبية على بنية المخ و كفائة الجهاز العصبي. إن تعرض مخ الطفل في مرحلة التكوين، إلى مستويات عالية من الضغط النفسي و البدني مثل العنف في المنزل، ونقص الغذاء، وتعاطي والديه للمخدرات، نقص مزمن في الأهتمام أو الرعاية قد يتأثر الدماغ سلبا وخاصة الأجزاء من الدماغ التي تؤثر بشكل مباشر على التعلم والذاكرة والسيطرة على المشاعر. مما لا شك فيه، أن هذا له آثار سلبية على قدرة هؤلاء الأطفال لتحقيق النجاح الاقتصادي المرجو لهم في المستقبل كما يعوقهم عن أن يكونوا أعضاء أصحاء فاعلين في مجتمعهم.

الفقراء في مصر وأماكن أخرى في العالم النامي يواجهون نوعا من الحلقة المفرغة التي تؤدي إلى انتقال الفقر بين الأجيال المختلفة. يواجهون عائق الائتمان لصعوبة لاقتراض من البنوك لأنهم (الفقراء) لا يمتلكون ضمانات كافية من أصول و أملاك. لذا يفشلوا في الاستثمار في مستقبل أبنائهم عبر تخصيص حصة معقولة من مواردهم للتعليم والصحة، مما ينعكس في انخفاض الدخول المتوقعة و ردائة مستوي المعيشة لأبنائهم في المستقبل. مصر اليوم في حاجة ماسة لمعالجة مصدر القلق الرئيسي للمجتمع المصري ألا و هو تعميق العدالة الاجتماعية بصورة سريعة في ظل الازمة المالية و الاقتصادية الخانقة التي تمر بها مصر. أعتقد أن إعلان الحرب على توريث الفقر بين الأجيال سيكون بوابة لوضع حد لإعادة إنتاج سلاسل و أجيال من الفقر و يعطي هؤلاء أمل في أن الحياه لن تكون ظلاماً قاتما إلى أبد الابدين. فيما يلي بعض الأفكار البسيطة لصناع السياسة المصرية لمحاربة هذا النوع من التوريث في الماضي القصير على الاقل:

– التدخل الحكومي المباشر في المناطق الفقيرة في مصر من خلال التحويلات النقدية المشروطة لأفقر الأسر التي تعول أطفال صغار (التحويلات مشروطة على عدم تسرب الاطفال من الدراسة، أخذ التطعيمات اللازمة، زيارة الوحدة الصحية بصورة منتظمة). هذا النوع من حافز ضروري لرفع بعض القيود الائتمانية والسماح لأولياء الأمور أن يستثمروا في مجالات أخري و لا ينفقوا نقودهم على أساسيات الحياة من مأكل و ملبس فقط. خلصت دراسة الإقتصاديين جانيت غورنيك وماركوس جانتي إلى أن الفقر بين الأطفال أقل بكثير في الدول الأوروبية، لا لأن اقتصادهم ينتج أجور أعلى للعمال ذوي الدخل المنخفض، ولكن بسبب قوة البرامج الاجتماعية . معظم هذه الدول، وكثيرون في أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، يقدمون إعانات نقدية مباشرة للآباء والأمهات العائلين.

images

– هناك شبه إجماع بين الاطباء الاخصائين الاجتماعيين الغربيين أن إجراء التدخل الإيجابي للطفل في مراحل مبكرة من العمر عن طريق الزيارات المنزلية للفقراء من قبل المتخصصين، وتقديم المشورة الأم، العلاج من تعاطي المخدرات، والبرامج الجديدة نسبيا، مثل القراءة للأطفال الصغار حتى قبل أن تتاح مهارات اللغة، له أثار إيجابية بعيدة المدي على مستقبل الطفل و وضعه الاجتماعي و الإقتصادي.

-التدريب المباشر والموجه بشكل جيد وتوفير فرص العمل للأسر الفقيرة. هذا من شأنه أيضا أن يقلل من القيود النقدية على الاهل، ورفع ثقتهم بأنفسهم ويمكن أيضا الحد من عمالة الأطفال. مصر بحاجة لتعزيز بنيتها التحتية المهترئة (المدارس، المستشفيات، الشوارع خاصة في صعيد مصر). وبالتالي الأشغال العامة في البنية التحتية يمكن أن توفر أداة ناجحة لاستيعاب الفئات الأفقر لسوق في سوق العمل (التجربة معمول بها في الهند و حققت نجحت كبيرة). القبول للعمل في الأشغال العامة يمكن أن يكون خاضعاً لمعايير تنموية محددة مثل عدم تسرب الاطفال من المدارس أو زيارة طبيب الأسرة بشكل دوري.

– مما لا شك فيه، أن استثمارات ضخمة في رفع جودة التعليم ستبقى دائما حاجة ملحة من أجل تعزيز الحراك الاجتماعي. العديد من المنظمات غير الحكومية في مصر تعمل في مجال التعليم وتقدم نماذج ناجحة من التعليم الإبداعي الحديث وتمكين الأطفال في الأحياء الفقيرة و العشوائيات. يمكن للحكومة أن تنسق بشكل جيد مع هؤلاء لرفع جودة التعليم الحكومي المنهار.

-تقديم حوافز مغرية لكل من الاستثمارات المحلية والأجنبية في مشروعات كثيفة العمالة خارج القاهرة والإسكندرية. و كلما زاد فقر المنطقة كلما زاد الحافز الحكومي للمستثمر. وهذا من شأنه استيعاب العديد من المواطنين العاطلين عن العمل في الريف ووقف تدفق المواطنين إلى القاهرة والإسكندرية يبحثون عن عمل متدني القيمة و الإنتاجية

– كشفت دراسة لجامعة مانشستر مؤخرا أن الفقراء في مصر يعانون من “عجز القدرة” في مجالين رئيسيين: خلق فرص العمل والتعليم. بالتالي إذا كانت الحكومة المصرية عازمة على رسم سياسة لمساعدة الفقراء تحقيق آمالهم وطموحاتهم، فإنها بحاجة إلى خلق فرص عمل كافية وتعليم جيد للمحرومين. التحليل في الدراسة يوضح اثنين من ديناميكيات فشل الطموح: الأولي تحدث عندما يؤدي فشل طموح واحد إلى فشل طموح أخر، في حين يعكس الثاني قضية هذا المقال و هو توريث الفشل. يفشل كثير من الآباء و الامهات في المجتمعات الفقيرة في تحقيق تطلعاتهم، وبالتالي ينقلون فشل تطلعاتهم إلى ذويهم.

2012-634636308609212689-921

Written by Egyptianomics

This page aims to raise awareness about key economic issues in Egypt. It endeavours to present new economic thinking and advocates human-oriented economics for Egypt

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s